fbpx

اللغة أداة تواصل وليست هوية

الحدود10 أبريل 2019آخر تحديث : منذ سنة واحدة
اللغة أداة تواصل وليست هوية
Jumia MA

بعيدا عن المواضيع الهامشية المثارة هنا وهناك، نجد في الأركان الضيقة للجرائد الورقية، وصفحات الجرائد الإلكترونية إشارات عن النقاش الدائر حول لغة تدريس المواد العلمية بالمغرب، والذي أرق كل كتل الأغلبية والمعارضة البرلمانية، بكل عناصرها المتمدرسة والأمية، بالإضافة إلى التيارين “الفرنكفوني” و”العربفوني”.

ويعتبر الصراع بين هذه المكونات أمرا طبيعيا مادامت اللغة أداة تواصل فعالة وقادرة على تكريس ثقافة أو آيديولوجية معينة، وفي نفس الوقت أرى أن اللغة ليست مشكلة لهوية الفرد أو المجتمع. وبهذا المعنى فكل فرد أو مجتمع يسعى إلى الحصول على الأداة أو الوسيلة الناجعة التي تمكنه من نشر قيمه أو أفكاره، وقد تكون هذه الوسيلة من ملكيته الخاصة أو يستعيرها من فرد أو مجتمع آخر.

ومثال ذلك أولائك المزدادين ببلجيكا، هولندا وفرنسا، ويتحدثون عن تأسيس حكم الشريعة الإسلامية ولا يعرفون في اللغة العربية شيئا عدا بعض الآيات التي يصلون بها، أو بعض الأحاديث التي يرويها شيوخهم في بداية الجلسة قبل ترجمتها إلى لغتهم.

كما نجد أيضا في المجتمعات العربية أولائك الذين يهتمون بـ”الراب” والبلاك ميتال”، و”المانغا” والإعلاميات… ولا يفقهون لا في الصينية، ولا الإنجليزية ولا حتى الفرنسية شيئا، سوى المصطلحات التقنية، لأنهم يجدون في هذه المجالات آفاقا واسعة أمامهم وقد تكون لغتهم الأم (العربية والأمازيغية)، التي يسعى البعض إلى تكريسها، عائقا أمام مستقبلهم في ظل الظروف الراهنة والتي قد تستمر لعشرات السنين.

اقرأ أيضا:   احذروا.. خْرفان مْعلفة بـ "دردك"

وفي نموذج ثالث، قد نجد مجموعة من الناس الذين قد يتنازلون عن جنسياتهم الأصلية أو يسعون إلى الحصول على جنسيات أخرى، بحثا عن مكانة اجتماعية واقتصادية راقية، تضمن لهم كرامة العيش في هذا العالم، بينما اللغة في هذه الحالة تكون وسيلة فقط للوصول إلى الغاية.

ومن خلال هذه النماذج الثلاثة نستشف أن مسألة تحديد الهوية هي مسألة نسبية، وأن ما يشكل هوية الفرد أو المجتمع هو: التربية، الدين، التشبث بالقيم الإنسانية الكونية، الفن، المستوى العلمي، نمط التفكير، المكانة الاقتصادية، والقوة العسكرية. بينما اللغة تبقى وسيلة فقط لنشر أو الوصول إلى كل ما تم ذكره.

بالرجوع إلى التياراين اللغويين المتصارعين في الساحة بشأن لغة تدريس المواد العلمية في المغرب، التيار “الفرانكفوني” و”العربوفوني”، نجد أن التيار الأول، له من الإمكانيات المادية، البشرية والإعلامية ما يؤهله للوصول إلى غاياته، رغم اتهامه بالموالاة لفرنسا، وهو أمر طبيعي مادام أن معظم نخب هذا التيار من عائلات أرستقراطية وبورجوازية عريقة لها مصالح اقتصادية متجذرة مع فرنسا.
بينما لا يجد التيار الثاني، الذي يصف نفسه بالوطنية، من الحجج سوى حجة زعزعة الهوية الثقافية والدينية المغربية وتخريب المدرسة العمومية، بينما يحرص معظم رواد هذا التيار على أن يتلقى أبناؤهم تعليما رصينا بأشهر المدارس الخاصة وبكل اللغات وربما تكون اللغة العربية آخرها.
في حين لو أراد مثقفو ونخب هذا الوطن خيرا بأبنائه، لدافعوا عن تدريس العلوم باللغة الإنجليزية مادمنا لا نستطيع أن ننكر أن أول لغة في العالم هي اللغة الانجليزية، أو لما لا يترك المجال مفتوحا أمام أولياء الأمور والتلاميذ لاختيار اللغة التي يفضلونها، عوض كل هذا اللغط الذي لا يظهر سوى أن بالأمر مصالح مادية واجتماعية خاصة، يدافع عنها كل طرف على حدة.

اقرأ أيضا:   وفد أممي بالعيون للتشاور حول عودة بعثة المينورسو

وأرى شخصيا أن اختيار اللغة الفرنسية أخف ضررا ما دمنا في مجال إقليمي تعتبر فيه اللغة الفرنسية لغة التواصل العلمي والاقتصادي، مما قد يوفر للخريجين فرصا أوسع للدراسة أو العمل، في ظل توالي خيبات المجتمعات المغاربية والعربية في تحقيق النهضة المنشودة.

عموما، فإن النقاش الدائر حول اللغة باعتبارها عنصر من عناصر الهوية هو نقاش غير صحيح في عصر تحكمه البراغماتية الرأسمالية والعولمة، كما أن الجدال الحالي حول تدريس العلوم باللغة العربية أوالفرنسية لم يأت في سياق جيد، ما دمنا لم نحدد مصير الأستاذ المتعاقد ولم نحسن وضعيته باعتباره العنصر الذي سيحمل على عاتقه مهمة التدريس في العشرين سنة المقبلة على الأقل. و تحول ملف اللغة إلى ملف مزايدات سياسية بين الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة هو ترويج انتخابي “نخبوي” سابق لأوانه.

محمد أيت مسعود

كلمات دليلية
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :لا تنسى الاضطلاع على اتفاقية الاستخدام و إخلاء المسؤولية قبل نشر أي تعليق بالحدود

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط، بامكانك قراءة شروط الاستخدام
موافق
Al hodoud - الحدود

مجانى
عرض